الشيخ محمد رشيد رضا

203

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مع النص وكونه في مسألة قطعية لا تقوم المصلحة بدونها ، ويقولون على فرض التسليم كيف أقدم أبو بكر على هذا الامر المخالف للنص ولم يكن مجمعا عليه حينئذ لأنكم تدعون أنه إنما أجمع عليه بعد ذلك ؟ والصواب أن بيعة عمر كانت بالشورى ولكن هذه الشورى حصلت في عهد أبى بكر وهو الذي تولاها بنفسه ، كما قلنا آنفا وانما تعجل ذلك لخوفه على الأمة فتنة التفرق والخلاف من بعده فشاور أهل الرأي والمكانة من الصحابة فيمن يلي الامر بعده ، فرأى الأكثرين منهم يوافقونه على أن أمثلهم عمر ، ورأى بعضهم يخاف من شدته ، فكان يجتهد في إزالة ذلك من قلوبهم بمثل قوله : إنه يراني كثير اللين فيشتد . أي لأجل أن يكون من مجموع سيرتهما الاعتدال أو ما هذا مغزاه . حتى أنه تكلف صعود المنبر قبل وفاته وتكلم في المسألة بما أفنع القوم ، فعهد اليه في الامر في حياته فكان ذلك كتوكيل له في مرضه وترشيح له من بعده وإنما العمدة في جعله أميرا على مبايعة الأمة والمبايعة لا تتوقف صحتها على الشورى ، ولكن قد يحتاج فيها إلى الشورى لأجل جمع الكلمة على واحد ترضاه الأمة فإذا أمكن ذلك بغير تشاور بين أهل الحل والعقد كأن جعلوا ذلك بالانتخاب المعروف الآن في الحكومة الجمهورية وما هو في معناها حصل المقصود . وما سبق لأبي بكر من المشاورة والاقناع في تولية عمر أغنى عن المشاورة بعد وفاته فاتفق الجميع على مبايعته وصدق عليه أنه اتفاق بعد شورى أو بسبب الشورى وأما جعل عمر الشورى في نفر معينين فهو اجتهاد منه في إقامة هذا الركن مع اتقاء فتنة الخلاف التي تخشى من تكثير عدد المتشاورين ، فأولئك النفر الذين جعلها فيهم هم أهل الرأي والمكانة في الأمة الذين تخضع لرأيهم إذا اتفقوا وتتعصب لهم إذا اختلفوا لان لكل واحد منهم عصبة يرونه أهلا للامارة على المسلمين . وكان هؤلاء الذين اختارهم عمررض ) هم أولي الأمر أو خواص أولي الأمر وزعماءهم وهم الأحق بالشورى كما يؤخذ من الامر في الكتاب العزيز بطاعة أولي الأمر مع قوله عز وجل ( 4 : 83 وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) ومن المشهور أن للمفسرين في أولي الأمر قولين أحدهما أنهم الامراء الحاكمون وثانيهما